أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
367
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
وهو « لَوْ تُسَوَّى » ، و « لَوْ » بمعنى « أن » المصدرية ، انتهى . وفي جعله الجملة الحالية معترضة بين المفعول وعامله نظر لا يخفى ، لأنها من جملة متعلقات العامل الذي هو صلة للموصول وهذا نظير ما لو قلت : « وضرب الذين جاؤوا مسرعين زيدا » فكما لا يقال إنّ « مسرعين » معترض به فكذلك هي الجملة . وقرأ أبو عمرو وابن كثير وعاصم « تُسَوَّى » بضم التاء وتخفيف السين مبنيا للمفعول . وقرأ حمزة والكسائي : تسوّى بفتحها والتخفيف ، ونافع وابن عامر بالتثقيل . فأما القراءة الأولى فمعناها : أنهم يودّون أن اللّه تعالى يسوّي بهم الأرض : إمّا على أن الأرض تنشق وتبتلعهم ، وتكون الباء بمعنى « على » ، وإمّا على أنهم يودّون أن لو صاروا ترابا كالبهائم ، والأصل : يودّون أن اللّه يسوّيهم بالأرض ، فقلب إلى هذا كقولهم : « أدخلت القلنسوة في رأسي » ، وإمّا على أنهم يودّون لو يدفنون فيها ، وهو كمعنى القول الأول ، وقيل : لو تعدل بهم الأرض أي : يؤخذ ما عليها منهم فدية . وأمّا القراءة الثانية فأصلها « تتسوّى » بتاءين ، فحذفت إحداهما . وفي الثالثة حذفت إحداهما . ومعنى القراءتين ظاهر ممّا تقدّم ، فإن الأقوال الجارية في القراءة الأولى جارية في القراءتين الأخريين ، غاية ما في الباب أنه نسب الفعل إلى الأرض ظاهرا . قوله : وَلا يَكْتُمُونَ فيه ستة أوجه ، وذلك أنّ هذه الواو تحتمل أن تكون للعطف وأن تكون للحال : فإن كانت للعطف احتمل أن يكون من عطف المفردات ، وأن يكون من عطف الجمل ، إذا تقرر هذا فيجوز أن يكون « وَلا يَكْتُمُونَ » عطفا على مفعول « يَوَدُّ » أي : يودّون تسوية الأرض بهم وانتفاء كتمان الحديث ، و « لو » على هذا مصدرية ، ويبعد جعلها حرفا لما كان سيقع لوقوع غيره ، ويكون « وَلا يَكْتُمُونَ » عطفا على مفعول « يَوَدُّ » المحذوف . فهذان وجهان على تقدير كونه من عطف المفردات . ويجوز أن يكون عطفا على جملة « يَوَدُّ » ، أخبر تعالى عنهم بخبرين أحدهما : الودادة لكذا ، والثاني : أنهم لا يقدرون على الكتم في مواطن دون مواطن ، و « لو » على هذا مصدرية ، ويجوز أن تكون « لو » حرفا لما كان سيقع لوقوع غيره ، وجوابها محذوف ، ومفعول « يَوَدُّ » أيضا محذوف ، ويكون « وَلا يَكْتُمُونَ » عطفا على « لو » وما في حيّزها ، ويكون تعالى قد أخبر عنهم بثلاث جمل : الودادة وجملة الشرط ب « لو » وانتفاء الكتمان ، فهذان أيضا وجهان على تقدير كونه من عطف الجمل . وإن كانت للحال جاز أن تكون حالا من الضمير في « بِهِمُ » ، والعامل فيها « تُسَوَّى » ، ويجوز في « لو » حينئذ أن تكون مصدرية وأن تكون امتناعية ، والتقدير : يودّون تسوية الأرض بهم غير كاتمين ، أو : لو تسوّى بهم غير كاتمين لكان بغيتهم ، ويجوز أن تكون حالا من « الَّذِينَ كَفَرُوا » ، والعامل فيها « يَوَدُّ » ، ويكون الحال قيدا في الودادة ، و « لو » على هذا مصدرية في محلّ مفعول الودادة ، والمعنى : يومئذ يود الذين كفروا تسوية الأرض بهم غير كاتمين اللّه حديثا ، ويبعد أن تكون « لو » على هذا الوجه امتناعية للزوم الفصل بين الحال وعاملها بالجملة . و « يكتمون » يتعدى لاثنين ، والظاهر أنه يصل إلى أحدهما بالحرف ، والأصل : ولا يكتمون من اللّه حديثا . [ سورة النساء ( 4 ) : آية 43 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ وَلا جُنُباً إِلاَّ عابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا غَفُوراً ( 43 )